منتدى طلبة جامعة المسيلة

منتدى يحوي جميع العلوم و المعارف


    جورج زيميل

    شاطر

    mokranesofiane

    المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 23/03/2010
    العمر : 30
    الموقع : mokrane-sofiane.yoo7.com

    جورج زيميل

    مُساهمة  mokranesofiane في الثلاثاء مارس 23, 2010 9:35 am

    جورج زيميل
    أثر جورج زيميل على النظرية السوسيولوجية الأمريكية وعلى علم اجتماعها عامة، يختلف تماماً من ذلك الأثر للمنظرين الذين ناقشناهم حتى الآن في هذا الكتاب، دوركايم وفيبر، اللذان بالرغم من أهميتهما المتاخرة، كان لهما اثر قليل نسبياً على النظرية الأمريكية في بداية القرن العشرين. زيميل كان معروفاً أكثر لدي علماء الاجتماع الأمريكيين الأوائل، خاصة أولئك المرتبطين بمدرسة شيكاغو. ألبينو سمول وروبرت بارك ، اثنان من القوي الأساسية المحركة لمدرسة شيكاغو درسا مع زيميل في ألمانيا وكانا السبب في تقديم أفكاره إلى الجمهور الأمريكي. في السنوات الأخيرة خسف نجم زيميل بسبب ماركس، دور كايم وفيبر، بالرغم من أن تاثيره تواصل في العديد من المجالات (نظرية الصراع والتفاعلية الرمزية مثلاً)، في حين أن زيميل هو "الشريك الثانوي" في هذا الرباعي اليوم، وبقي تأثيره قوياً وربما يعود مرة أخرى بسبب ترجمة أحد أهم أعماله للغة الإنجليزية مؤخراً (فلسفة النقد) .
    اهتمامات زيميل الأساسية
    في نظرية الصراع ذات المنظور الأكبر عرف جورج زيميل أكثر كعالم اجتماع المنظور الأصغر، ولعب دوراً هاماً في دراسات المجموعات الصغرى مثل التفاعلية الرمزية ونظرية التبادل. عرض روبرت نيسبت (1959) هذه الرؤية عن مساهمة زيميل في عالم الاجتماع كما يلي: "إنها ميزة عالم اجتماع المنظور الأصغر، وكتابات زيميل هي التي أعطته دائماً موقعاً بين الرواد الآخرين إنه لم يستخف بالعناصر الصغرى والحميمية في المشاركة الإنسانية، كما أنه لم يفقد الرؤية أبداً عن أولية الكائن البشري والأفراد الملموسين في تحليله للمؤسسات"118.
    لكن دائماً ما ينسى أن كتابات زيميل ذات المنظور الأصغر عن أشكال التفاعل متضمنة في نظرية أوسع عن العلاقات بين الأفراد والمجتمع الكبير. لزيميل نظرية عن الواقع الاجتماعي أكثر تعقيداً وصقلاً من ما أعطى عليه الاستحسان في النظرية السوسيولوجية الأمريكية المعاصرة .
    يرى توم بورتومور وديفيد فرسباي119 أن هنالك مستويات اهتمام أربعة أساسية في كتابات زيميل. أولاً افتراضه ذو المنظور الأصغر عن المكونات السايكولوجية للحياة الاجتماعية، ثانياً على مستوى أوسع قليلاً، اهتمامه بالمكونات السوسيولوجية في العلاقات بين الأشخاص، ثالثاً على مستوى المنظور الأكبر كتاباته عن بنية وتغير الروح الاجتماعية والثقافية في عصره، لم يعمل زيميل بهذا التصور ذي الثلاث طبقات عن الواقع الاجتماعي لكنه أخذ بمبدأ الانبثاق أي الفكرة التي تقول أن المستويات العليا تنبثق من الدنيا "التطورات الإضافية تحل محل فورية القوى المتفاعلة مع خلق تشكيلات فوق فردية و التي تبدو كتمثيلات مستقلة لتلك القوى وتمتص وتتوسط العلاقات بين الأفراد"120. يتخطى هذه الطبقات الثلاثة مستوى رابع يتضمن المبدأ الميتافيزيقي للحياة، وهذه الحقائق المستمرة أثرت على كل كتابات زيميل وكما سنرى قادت إلى تصوره عن اتجاه العالم مستقبلاً .
    الاهتمام بالمستويات المتداخلة للواقع الاجتماعي ينعكس في تعريف زيميل لثلاث مشاكل – مناطق منفصلة في علم الاجتماع – الأولى وصفها بعلم الاجتماع (المحض) في هذه المنطقة تتحد المتغيرات السايكولوجية مع أشكال التفاعل، بالرغم من أن زيميل يفترض بوضوح أن للفاعلين مقدرات عقلية خلاقة فقد أبدى القليل من الانتباه الواضح لهذا الجانب من الواقع الاجتماعي .
    معظم كتاباته ذات المنظور الأصغر كانت عن الأشكال التي يأخذها التفاعل وكذلك أنماط الناس الذين يدخلون في التفاعل. الأشكال تشمل الخضوع، الإخضاع، التبادل، الصراع و الاختلاط الاجتماعي. في كتاباته عن الأنواع ميز بين مواقع في البنية التفاعلية مثل (المنافس) ، (العابث )، والتوجهات نحو العالم مثل (البخيل ) ، (العابث) ، (المبذر) ، (الغريب) و (المغامر). في مستوى متوسط يوجد علم اجتماع زيميل العام ويتناول المنتجات الاجتماعية والثقافية للتاريخ البشري. هنا يبدي زيميل اهتمامه ذو المنظور الأكبر بالمجموعة وبنية وتاريخ المجتمعات والثقافات. أخيراً في علم اجتماع زيميل الفلسفي تناول رؤيته عن الطبيعة الأساسية والقدر المحتوم للجنس البشري. خلال هذا الفصل سنلتمس كل هذه المستويات (وعلوم الاجتماع)، وسنجد أنه بالرغم من أن زيميل أحياناً يفصل المستويات المختلفة و(علوم الاجتماع) لكنه دائماً ما يمزجها في كل واسع .
    التفكير الجدلي في علم اجتماع زيميل
    طريقة تناول زيميل للعلاقات المتداخلة بين ثلاثة مستويات أساسية من الواقع الاجتماعي أعطت علم اجتماعه خاصية جدلية تذكّر بعلم اجتماع ماركس، المنهج الجدلي كما هو معروف، متعدد التعليل ومتعدد الاتجاهات، يدمج الحقائق مع القيم، يرفض فكرة أن هنالك خطوط تقسيم صلبة وثابتة بين الظواهر الاجتماعية، يركز على العلاقات الاجتماعية، لا ينظر فقط إلى الحاضر وإنما نحو الماضي والمستقبل أيضا ويهتم بعمق الصراعات والتناقضات .
    على الرغم من أوجه الشبه بين ماركس وزيميل فيما يختص باستخدامهما للمنهج الجدلي إلا أن هناك اختلافات هامة بينهما. من الأهمية بمكان حقيقة أنهما ركزا على جوانب مختلفة من العالم الاجتماعي كما قدما تصورات مختلفة جداً عن مستقبل العالم. فبدل تفاؤل ماركس الثوري لزيميل رؤية عن المستقبل قريبة لتصور فيبر عن القفص الحديدى الذي لا مهرب منه .
    أبدى زيميل التزامه بالجدل في طرق مختلفة. فقد كان دائماً يميل إلى الثنائية، الصراعات والتناقضات في أي مجال من العالم الاجتماعي تعامل معه. رونالد ليفين ذكر أن ذلك يعكس اعتقاد زيميل أنه "يمكن فهم العالم بشكل أفضل في إطار الصراعات والتناقضات بين فئات متعارضة"121. بدل المحاولة من تناول هذا النمط من التفكير عن أعمال زيميل دعنا نوضح ذلك من خلال عمله عن واحد من أشكال التفاعل، الموضة. استخدم زيميل نمطاً مماثلاً من التفكير الجدلي في معظم مقالاته عن الأشكال والأنماط الاجتماعية، لكن مناقشته عن الموضة توضح بإسهاب طريقته في تناول تلك الظواهر .
    الموضة
    في واحدة من مقالاته الخلاّبة الثنائية عرض زيميل التناقضات في الموضة بطرق عديدة. من ناحية الموضة شكل من العلاقة الاجتماعية يسمح للذين يودون الاستجابة لمتطلبات المجموعة فعل ذلك، من ناحية أخرى توفر الموضة أيضاً المعيار الذي يمكن للذين يودون أن يكونوا متفردين أن ينحرفوا عنه. الموضة تتضمن عملية تاريخية أيضاً. في البداية يقبل الجميع كل ما هو متماش مع الموضة، لكن حتماً ينحرف بعض الأفراد من ذلك. أخيراً في عملية الانحراف ربما يتخذون رؤية جديدة كاملة عن ما هو مع الموضة. الموضة جدلية أيضاً بمعنى أن نجاح وانتشار أي موضة يقود إلى سقوطها النهائي .
    ذلك أن تميز شئ ما يؤدي إلى اعتباره متماشياً مع الموضة، لكن عندما يتقبله عدد كبير من الناس فإنه يفقد تميزه وكذلك جاذبيته. كما أن هنالك ثنائية أخرى تشمل دور قادة حركات الموضة، وهؤلاء الأشخاص يقودون المجموعة وياللمفارقة، باتباعهم الموضة بشكل أفضل من أي شخص آخر وبتحديد أكثر. أخيراً يقول زيميل ليس فقط اتّباع الموضة هو الذي يتضمن الثنائية لكن أيضاً المحاولات في أن يكون الفرد جزءاً من بعض الناس الذين هم خارج الموضة. الناس الذين لا يتبعون الموضة يرون أن الذين يتماشون مع الموضة مقلدون ويعتبرون أنفسهم خوارج. لكن زيميل يرى أن هؤلاء أنفسهم داخلين في شكل من التقليد العكسي. ربما يتجنب الأفراد الموضة لأنهم يخشون أن يفقدوا تفردهم، لكن زيميل يرى أن مثل هذا الخوف لا يشكل دليلاً على قوة الشخصية أو الاستقلال. خلاصة يرى زيميل أننا نجد في الموضة" كل الميول القائدة المتناقضة ممثلة بشكل أو بآخر"122.
    تفكير زيميل الجدلي يمكن رؤيته على مستوى أكثر عمومية أيضاً في كتاباته عن الثنائي والثلاثي. لقد كان أكثر اهتماماً بالصراعات والتناقضات التي تحدث بين الفرد والبنيات الاجتماعية والثقافية الكبرى التي يبنيها الأفراد، تلك البنيات يكون لها في النهاية حياة خاصة بها ليس للفرد عليها سيطرة تذكر.

    الثنائي والثلاثي
    بالنسبة لزيميل هناك اختلاف جوهري بين الثنائي، مجموعة من شخصين ، والثلاثي مجموعة من ثلاثة أشخاص، فإضافة الشخص الثالث تشكل تغيراً جذرياً وأساسياً . زيادة الأعضاء أكثر من ثلاثة لن يكون لها نفس الأثر الذي أحدثته إضافة العضو الثالث، على خلاف المجموعات الأخرى، لا يحقق الثنائي معنى يتجاوز الفردين المعنيين. لا توجد بنية مجموعة في الثنائي و ليس هناك شئ أكثر للمجموعة غير الفردين المنفصلين. لذلك فإن كل عضو في الثنائي يحقق مستوى عالياً من الفردية، هذه الفردية لا يمكن إنزالها إلى مستوى المجموعة و هذا الوضع لا ينطبق على مجموعة الثلاثي.
    مجموعة الثلاثي تتميز بتحقيق معنى يتجاوز الأفراد فيه. وفى الغالب أن يكون الفرد مستوعباً أكثر فى مجموعة الثلاثي والتي غالباً ما تتطور إلى بنية مجموعة مستقلة. نتيجة لذلك هنالك الكثير من التهديد لفردية الأعضاء و من الممكن أن يكون لمجموعة الثلاثي أثر تعادلي على الأعضاء .
    بإضافة طرف ثالث إلى المجموعة فإن عدداً من الأدوار الاجتماعية الجديدة يصبح ممكنا، مثلاً يمكن أن يأخذ الطرف الثالث دور الحكم أو الوسيط في النزاعات داخل المجموعة. بعد ذلك يمكن للطرف الثالث استخدام النزاعات بين العضوين الآخرين من أجل مكاسبه هو أو ربما يكون موضوع منافسة بين الطرفين الآخرين .
    الطرف الثالث ربما يكرس وعن قصد الصراع بين الطرفين الآخرين من أجل الحصول على التفوق (فرق تسد) بعد ذلك من الممكن ظهور نسق للتراتب وبنية السلطة. الانتقال من الثنائى للثلاثي ضرورة لتطور بنيات اجتماعية تصبح منفصلة عن الفرد ومسيطرة عليه،و مثل هذه الإمكانية غير متوفرة في الثنائي .
    الثقافة الفردية والثقافة الموضوعية
    يرى زيميل أن الناس يتأثرون ومحددين ليس فقط بالبنيات الاجتماعية وإنما بمنتجاتهم الثقافية أيضا. ميز زيميل بين الثقافة الفردية والثقافة الموضوعية. الثقافة الموضوعية تعني تلك الأشياء التي ينتجها الناس (الفن، العلوم، الفلسفة، وما إلى ذلك) الثقافة الفردية هي مقدرة الفاعل الفرد على إنتاج، استيعاب والسيطرة على عناصر الثقافة الموضوعية. المشكلة هى أن الثقافة الموضوعية صارت لها حياتها الخاصة بها. يقول زيميل "عناصر الثقافة تكتسب هويات ثابتة ومنطق وقانونية خاصة بها، هذه الصرامة الجديدة تضعها بالضرورة بعيداً عن الحيوية الروحية التي أنتجتها والتي جعلتها مستقلة"123. وجود المنتجات الثقافية يخلق تناقضاً مع الفاعلين الذين أنتجوها بما أنها "مثال للخصومة والجفوة التي توجد بين العمليات العضوية والإبداعية للروح ومحتوياتها ومنتجاتها: تذبذب الحياة المضطربة للروح الخلاقة الذي يتطور إلى تعارض غير نهائي مع المنتجات الثابتة وغير القابلة للتغير وأثرها التبادلي المرعب الذي يعتقل ويصلب تلك الحيوية. كثيراً ما يبدو وكأن الحركة الإبداعية للروح الخلاقة تموت بسبب منتجاتها نفسها"124. وكما قال ك.بيتر أتزكون " في جدل زيميل الإنسان دائماً معرض لخطر الذبح بواسطة تلك المواضيع التي ينتجها والتي فقدت درجتها الإنسانية العضوية"125 .
    حياة أكثر وأكثر من حياة
    مجال آخر من تفكير زيميل هو علم اجتماعه الفلسفي الذي يبرز تفكيره الجدلى أكثر. في مناقشته لبزوغ البنيات الثقافية والاجتماعية ، ياخذ زيميل موقفاً شبيها جداً لبعض أفكار ماركس. استخدم ماركس مفاهيم تشيؤ ومادية البضائع إلى الدرجة التي أدت إلى الانفصال بين الناس ومنتجاتهم. بالنسبة لماركس يصل هذا الانفصال مداه الأقصى في الرأسمالية، ويمكن تجاوزه في المجتمع الاشتراكي لذلك فهو ظاهرة تاريخة محددة لكن بالنسبة لزيميل هذا الانفصال جزء أصيل من طبيعة الحياة الإنسانية. فلسفياً ، هناك تناقض جوهري ولا يمكن تجنبه بين (حياة أكثر) وأكثر من حياة. مفهوم حياة أكثر يعني أن الناس من خلال أفكارهم وأفعالهم ينتجون الحياة الاجتماعية وأثناء ذلك يعيدون إنتاج أنفسهم وهذه عملية خلاقة لا تعرف التوقف. لكن في إنتاجهم للحياة الاجتماعية ينتج الناس بالضرورة حزمة من المواضيع- أكثر من حياة – والتي يصبح لها حياتها بذاتها. بمعنى آخر الحياة الاجتماعية، تخلق من نفسها وتطلق شيئاً ليس هو الحياة ولكن له أهميته الخاصة ويتبع قوانينه الخاصة أيضا.ً بالنسبة لزيميل فإن الناس بالضرورة يستعبدون بمنتجاتهم الاجتماعية والثقافية، لذلك نسبة لمفهومه الميتافيزيقي وصل زيميل إلى تصور عن العالم أقرب كثيراً جداً لتصور فيبر عنه من تصور ماركس. زيميل مثل فيبر، يرى أن العالم أصبح قفصاً حديدياً من الثقافة الموضوعية ولدى الناس فرص للهروب منه ولكنها تتناقص باستمرار. سيكون لدينا الكثير الذي سنقوله عن هذه القضايا في الفقرات القادمة التي تتناول أفكار زيميل عن المكونات الأساسية للواقع الاجتماعي .
    وعي الفرد
    على مستوى الفرد ركز زيميل على أشكال التفاعل وأبدى اهتماماً قليلاً نسبياً بموضوع وعي الفرد، والذي لم يتناوله مباشرة إلا نادراً. بالرغم من ذلك فقد عمل زيميل على أساس ما يعنى بوضوح أن البشر يمتلكون وعياً خلاقاً. هذا الاهتمام بالخلق يظهر في مناقشة زيميل عن الأشكال المختلفة للتفاعل، مقدرة الفاعلين على خلق بنيات اجتماعية إضافة إلى الأثر التدميري لتلك البنيات على مقدرة الفرد الخلاقة .
    كل مناقشة زيميل عن أشكال التفاعل تتضمن أن الفاعلين يجب أن يتجهوا بوعي إلى بعضهم البعض. ذلك، التفاعل في شق تراتبي مثلاً يتطلب أن السادة والتابعين يوجهون أنفسهم نحو بعضهم البعض. سيتوقف التفاعل وينهار النسق التراتبي إذا انعدمت عملية التوجه هذه، وهذا ينطبق على كل أشكال التفاعل الأخرى.
    الوعي يلعب أدواراً أخرى في أعمال زيميل. فمثلاً ، بالرغم من أن زيميل يعتقد أن البنيات الاجتماعية والثقافية أصبحت لها حياة خاصة، فقد أدرك أنه يجب على الناس فهم تلك البنيات من اجل أن يكون لها اثراً على الأفراد. أوضح زيميل أن المجتمع ليس ببساطة "هنالك في الخارج ، لكنه أيضاً ما اتمثله، شئ يعتمد أيضاً على نشاط الوعي"126.
    كان لزيميل أيضاً مفهوم عن الضمير الفردي وعن حقيقة أن المعايير والقيم في المجتمع تستبطن في وعي الفرد. وجود المعايير والقيم داخلياً وخارجياً "يوضح الشخصية الثنائية للأوامر الأخلاقية، من ناحية فهي تقابلنا كأمر غير شخصي علينا ببساطة الخضوع له، من الناحية الأخرى لا توجد قوى خارجية لكن فقط دوافعنا الخاصة والداخلية تفرضها علينا. هذه واحدة من الحالات التي يقوم فيها الفرد، ضمن وعيه الذاتي، بإعادة العلاقات التي توجد بينه وبين المجموعة كشخصية كاملة"127 .
    هذا المفهوم الحديث جداً عن الاستنباط هو افتراضات غير مطورة نسبياً في أعمال زيميل. إضافة إلى ذلك كان لدى زيميل مفهوم عن مقدرة الناس على التصدي لأنفسهم عقلياً ووضعها بعيداً عن أفعالهم. هذا شبيه جداً برؤى جورج هيربرت ميد والتفاعليين الرمزيين. يمكن للفاعل أن يأخذ حوافز خارجية، يقيمها ، يحاول طرقاً مختلفة للفعل ثم يقرر ماذا يفعل. لكن هناك تناقضاً في مفهوم زيميل عن مقدرات الفاعل العقلية. العقل يمكن أن يمنع الناس من ان يستبعدوا بواسطة الحوافز الخارجية، لكن له أيضاً المقدرة على جعل الواقع الاجتماعي ماديا وعلى خلق المواضيع التي تستبعده. وكما قال زيميل "لدى عقلنا المقدرة الملحوظة على التفكير عن المحتويات باعتبارها مستقلة عن فعل التفكير"128. لذلك بالرغم من أن ذكاء البشر مكنهم من تجنب الاستبعاد بواسطة المحفزات الخارجية التي تقيد الحيوانات الدنيا، فقد خلق أيضاً بنيات ومؤسسات تقيد أفكارهم وأفعالهم. بالرغم من أنه يمكننا إيجاد العديد من التجليات عن الاهتمام بالوعي في أعمال زيميل فهو في عدة مواقع لم يفعل شيئاً أكثر من افتراض وجوده .

    التفاعل الاجتماعي
    اشتهر جورج زيميل في علم الاجتماع المعاصر بمساهمته في فهمنا لنظم وأشكال التفاعل الاجتماعي، وقد عبر عن اهتمامه بهذا المستوى من الواقع الاجتماعي كما يلي "نتناول هنا العمليات ذات المستوى الأصغر والجزئي داخل المادة الإنسانية. هذه العمليات هي واقع فعلي يتسلسل ويتمدى في تلك الوحدات والأنساق الكونية الراسخة. الناس ينظرون إلى بعضهم البعض ويغيرون من بعضهم كما أنهم يتبادلون الخطابات أو يتناولون الغداء سوياً، ذلك أنهم بعيداً من كل المصالح الملموسة يصفون بعضهم باللطف أو غيره. ذلك أن العرفان للأفعال الإيثارية يخلق اتحاداً غير قابل للفصل. فالفرد يسأل فرداً آخر عن شارع معين ، ذلك أن الناس يرتدون الملابس ويتزينون لبعضهم البعض ، هذه نماذج قليلة من مجال واسع من العلاقات التى تدور بين فرد وآخر. ربما تكون لحظية أو ثابتة، بوعي أو بدون وعي، سريعة الزوال أوذات نتائج خطيرة ، لكنها باستمرار تربط الناس مع بضعهم البعض. في كل لحظة هذه الخيوط تغزل، تسقط، تؤخذ مرة أخرى، تزاح من البعض، تنسج مع آخرين، هذه التفاعلات بين ذرات المجتمع يمكن الوصول إليها بالتحليل النفسي المجهري"129 .

    أوضح زيميل هنا أن واحداً من اهتماماته الأساسية التفاعل بين فاعلين واعين وأنه يريد أن ينظر في القطاع العريض من التفاعلات التي تبدو بدون قيمة في بعض الأحيان لكنها مهمة جداً في أحيان أخرى. اهتمامه ليس (دوركايمي) يعبر عن الاهتمام بالحقائق الاجتماعية وإنما إعلان عن منظور علم الاجتماع ذى المستوى الأصغر.
    لأن زيميل يتخذ أحيانا موقفا مبالغا فيه عن أهمية التفاعل في علم اجتماعه، لم يلتفت العديدون لرؤاه عن الجوانب ذات المستوى الأكبر من الواقع الاجتماعي. أحيانا، فقد ساوى مثلا المجتمع بالتفاعل "المجتمع هو النتاج أو المحصلة النهائية لتلك التفاعلات المحددة. المجتمع مطابق لمجموع كل تلك العلاقات"130. مثل هذه المقولات أخذت كتأكيد عن اهتمامه بالتفاعل ولكن وكما سنرى في علم اجتماعه العام والفلسفي كان لزيميل مفهوم واسع عن المجتمع وكذلك عن الثقافة.
    أشكال التفاعل
    أحد اهتمامات زيميل الغالبة "شكل" وليس "محتوى" التفاعل الاجتماعي. هذا الاهتمام نابع من ارتباط زيميل بالفلسفة الكانتية والتي تهتمم كثيراً بالاختلاف بين الشكل والمضمون. موقف زيميل مبسط جداً. فهو يرى أن العالم الحقيقي مكون من عدد لا يحصى من الأحداث، الأفعال، التفاعل وما إلى ذلك. لتدارك هذه المتاهة من الواقع، فإن الناس ينظمونها بفرض النظم أو الأشكال عليها. لذلك فبدلاً من مجموعة مربكة من الأحداث المحددة فإن الفاعل يواجه بعدد من الأشكال، وحسب رؤية زيميل فإن مهمة عالم الاجتماع أن يفعل ما يفعله الشخص العادي تحديداً، أي فرض عدد محدد من الأشكال على الواقع الاجتماعي، خاصة التفاعل ليمكن تحليله بصورة أفضل. هذا المنهج يتضمن بشكل عام استخراج ما هو مشترك في النظام الواسع من التفاعلات المحددة. مثلا الخضوع والإخضاع كأشكال للتفاعل موجودان في العديد من المواقع "في الدولة كما في مجموعة دينية، في عصابة من المتآمرين كما في رابطة اقتصادية في مدرسة للفنون كما في الأسرة"131. دونالد ليفين، أحد محللي زيميل المعاصرين وصف منهجه في علم الاجتماع التفاعلى الشكلي كما يلي:" كان منهجه أن يتناول ظاهرة محددة من العالم المتغير، يختبر مجموع العناصر التي تكونها، ثم يحدد أسباب تماسكها بالكشف عن تشكلها. بعد ذلك يبحث في أصل ذلك الشكل وتبعاته البنيوية"132
    اهتمام زيميل بأشكال التفاعل الاجتماعي كان عرضة للعديد من الانتقادات، فقد أتهم مثلا أنه يفرض النظام حيث لا نظام، أو إنتاج عدد من الدراسات لا علاقة بينها لا تفرض في النهاية نظاما أفضل على تعقيد الواقع الاجتماعي أكثر من الذي يفعله الشخص العادي. تكون هذه الانتقادات صحيحة إذا ركزنا على اهتمام زيميل بأشكال التفاعل فقط، علم اجتماعه الشكلي وتجاهلنا الأنواع الأخرى من علم الاجتماع التي مارسها.
    لكن هناك العديد من الطرق التي يمكن الدفاع بها عن تناول زيميل لعلم الاجتماع الشكلي. أولا إنه أقرب للواقع كما ينعكس ذلك في الأعداد التي لا تحصى من نماذج الحياة الواقعية التي استخدمها زيميل. لم يفرض فئات صارمة أو إعتباطية على الواقع الاجتماعي وإنما بدل ذلك حاول أن يتتبع الأشكال من الواقع الاجتماعي. ثالثا، تناول زيميل لم يستخدم مخططاً نظرياً عاماً أقحمت فيه كل جوانب العالم الاجتماعي. أخيراً، علم الاجتماع الشكلي يتجنب التجريبية فقيرة المفاهيم التي هي ميزة للكثير من علم الاجتماع. ومن المؤكد أن زيميل استخدم معلومات ميدانية لكنها أخضعت لمحاولاته لفرض بعض النظام على العالم المرتبك للواقع الاجتماعي.
    الهندسة الاجتماعية
    في علم اجتماع زيميل الشكلي تبدو بوضوح محاولته لتطوير "هندسة" للعلاقات الاجتماعية. اثنان من المترابطات الهندسية التي اهتم بها هي الأعداد والمسافة. واهتمامه بأثر عدد الناس على نوعية التفاعل رأيناه في مناقشته للاختلافات بين الثنائي والثلاثي. في مستوى عام جداً نجد توجه زيميل المتناقض نحو أثر حجم المجموعة. من ناحية فقد اتخذ موقفاً يرى فيه أن الزيادة في حجم المجموعة أو المجتمع تزيد من حرية الفرد، فمجموعة صغيرة أو مجتمع صغير غالبا ما يسيطر على الفرد بالكامل. لكن في مجتمع كبير غالبا ما يدخل الفرد في عدد من المجموعات يسيطر كل منها على جزء صغير من شخصيته، وبمعنى آخر "الفردية وجود وفعل يتزايد إلى درجة أن الدائرة الاجتماعية المحيطة بالفرد تتوسع"133. لكن زيميل يرى أن المجتمعات الكبرى تخلق مجموعة من المشاكل التي تهدد في النهاية حرية الفرد. كان يرى مثلا، أن الجماهير غالبا ما تسيطر عليها فكرة واحدة وبسيطة، فالقرب الجسماني للكتل الجماهيرية يجعل الناس أسهل إقناعا وأكثر ميلا لاتباع الأفكار المبسطة والدخول في أفعال عاطفية غير عقلانية.
    ما هو مهم فيما يخص اهتمام زيميل بأشكال التفاعل، أن الزيادة في الحجم والتباين تعمل على تحلل الروابط بين الأفراد وتترك في مكانها علاقات متباعدة غير شخصية وجزئية. ومن ما هو متناقض، أن المجموعة الكبرى التي تحرر الفرد تهدد في نفس الوقت فرديته. كما هو متناقص أيضا اعتقاد زيميل أن واحدة من الطرق لتلافي تهديد المجتمع الكبير للأفراد هو انغماسهم في المجموعات الصغرى مثل الأسرة.
    أحد اهتمامات زيميل الأخرى بالهندسة الاجتماعية هو المسافة، حيث قدم ليفين تلخيصاً جيداً عن رؤية زيميل عن دور المسافة في العلاقات الاجتماعية "إن ميزات الأشكال ومعاني الأشياء تتوقف على المسافات النسبية بين الأفراد والأفراد الآخرين وبين الأفراد والأشياء"134. هذا الاهتمام بالمسافة يظهر في العديد من المواقع في مؤلفات زيميل. سنناقشه في إطارين مختلفين في عمل زيميل الضخم (فلسفة النقد) وفي واحدة من مقالاته الذكية "الغريب".
    في (فلسفة النقد) عبر زيميل بوضوح عن بعض المبادئ العامة عن القيمة- وعن ما يجعل الأشياء قيمة- والتي اتخذها كمبادئ في تحليله للنقد. بما أننا سنتناول ذلك المؤلف بالتحليل في نهاية هذا الفصل، سنناقش هنا هذا الموضوع باختصار. النقطة الأساسية أن قيمة الشيء تتحدد بمسافته عن الفاعل. فلن يكون ذا قيمة إذا كان قريبا جداً وسهل المنال أو بعيد جداً وصعب المنال، فالأشياء التي يمكن الحصول عليها بجهد كبير هي الأشياء الأكثر قيمة.
    تلعب المسافة دوراً مهماً أيضا في مقال زيميل "الغريب" عن نوع من الفاعل ليس قريباً جداً ولا بعيدا جداً. إذا كان قريبا جداً فلن يكون غريبا وإذا كان بعيدا جدا لن يكون له أي اتصال بالمجموعة. التفاعل الذي يدخل فيه الغريب مع المجموعة مزيج من القرب والبعد. المسافة غير المألوفة من المجموعة للغريب تتيح له سلسلة من نظم التفاعل غير المعتادة مع الأعضاء. مثلا، الغريب يمكن أن يكون أكثر موضوعية في علاقته مع أعضاء المجموعة، وبما أنه غريب فإن أعضاء المجموعة الآخرين يشعرون بالراحة في التعبير له عن أسرارهم بهذه الطريقة وبطرق أخرى يظهر نسقاً من التنسيق والتفاعل الثابت بين الغريب وأعضاء المجموعة الآخرين. الغريب يصبح عضوا عضويا في المجموعة، لكن زيميل لم يناقش فقط الغريب كنمط اجتماعي وإنما اعتبر الغربة شكلاً من التفاعل. إن درجة من الغربة تتضمن مزيجاً من القرب والبعد تدخل في كل العلاقات الاجتماعية حتى تلك الأكثر حميمية. وهكذا يمكننا اختبار نطاق واسع من التفاعلات المحددة من أجل اكتشاف درجة الغربة الموجودة في كل.
    بالرغم من أن الأبعاد الهندسية تدخل في عدد من أنماط زيميل وأشكاله فهي تتضمن ما هو أكثر من الهندسة. فالأنماط والأشكال تشييد استخدمه زيميل للحصول على فهم أكثر لنطاق عريض من أنساق التفاعل. وفي الفقرة القادمة سننظر الى أمثلة عن انماط وأشكال التفاعل.

    الأنماط الاجتماعية
    لقد سبق ان صادفنا أحد أنماط زيميل "الغريب". الأنماط الأخرى تشمل البخيل، المبذر، المغامر والرجل الشريف. ولعرض طريقة تفكيره في هذه الناحية سنركز على أحد هذه الأنماط: الفقير.
    الفقير
    عرّف زيميل الفقير في إطار العلاقات الاجتماعية، كمتلق للمساعدة من الآخرين، أو على الأقل له الحق في تلك المساعدة. هنا وبوضوح تام فإن زيميل لا يتمسك بالرؤية التي تعرّف الفقر بكمية أو نقص كمية من المال.
    بالرغم من أن زيميل ركز على الفقير في إطار العلاقات المميزة وأنساق التفاعل فقد استغل مناسبة ذلك المقال "الفقير" لتطوير قطاع عريض من الأفكار المثيرة للاهتمام عن الفقراء والفقر. فقد ذكر زيميل مثلا، أن هناك حزمة تبادلية من الحقوق والواجبات تعرف العلاقة بين المحتاج والمعطي. من حق المحتاج الحصول على العون وهذا الحق يجعل الحصول على العون أقل ألما. المعطي عليه واجب هو إعطاء المحتاج. اتخذ زيميل موقفا وظيفيا بأن العون للفقراء بواسطة المجتمع يدعم النسق الاجتماعي، فالمجتمع بحاجة إلى مساعدة الفقراء "حتى لا يصبح الفقراء أعداء نشطين وخطرين على المجتمع وحتى يجعل طاقاتهم أكثر إنتاجية وليتمكن من منع إعادة إنتاجهم"135. لذلك فإن العون للفقراء من أجل المجتمع وليس من أجل الفقراء في ذاتهم. وتلعب الدولة دوراً اساسياً فيه. كما أن معاملة الفقراء أصبحت غير شخصية بشكل متزايد عندما أصبحت آليات تقديم العون أكثر بيروقراطية.
    كان لزيميل رؤية نسبية للفقر، فالفقراء ليسوا هم الذين يقفون في قاع المجتمع. وهو يرى أن الفقر موجود في كل طبقات المجتمع، هذا المفهوم مهد للمفهوم السوسيولوجي المتأخر عن "الحرمان النسبي". إذا كان هناك أناس أعضاء في الطبقات العليا لديهم أقل من رصفائهم فغالبا ما يشعرون أنهمم فقراء بالمقارنة معهم، لذلك فإن البرامج الحكومية لإزالة الفقر لن تنجح أبداً حتى إذا رفع الذين هم في القاع فإن العديد من الناس في كل النسق التراتبي يظلون يحسون بالفقر مقارنة مع رصفائهم.
    الأشكال الاجتماعية
    مثل ما فعل مع الأنماط الاجتماعية فإن زيميل نظر في قطاع واسع من الأشكال الاجتماعية تشمل التبادل، الصراع، البغاء والمشاركة الاجتماعية. يمكننا عرض أعمال زيميل عن الأشكال الاجتماعية من خلال نقاشه عن الهيمنة- الاخضاع والخضوع.
    الإخضاع والخضوع
    الإخضاع والخضوع لهما علاقة تبادلية. القائد لا يود أن يحدد بالكامل أفكار وأفعال الآخرين وإنما تمثيلهم إما إيجابياً أو سلبياً. ومثل هذا الشكل من التفاعل أو غيره لا يمكن أن يوجد بدون علاقات تبادلية حتى في أكثر أنواع الهيمنة قسوة فإن للخاضعين على الأقل درجة من الحرية الشخصية.
    للعديد من الناس يتضمن الإخضاع مجهوداً لإزالة استقلال المخضعين بالكامل، لكن زيميل يرى أن العلاقة الاجتماعية ستنعدم في تلك الحالة. يرى زيميل أن الفرد يمكن أن يكون خاضعا لفرد آخر، مجموعة أو قوى موضوعية. القيادة التي تتكرس في فرد واحد تؤدى إلى مجموعة متماسكة جدا إما دعما أو معارضة للقائد. حتى لو نشأت المعارضة في مثل هذه المجموعة فإن الخلاف يمكن حله بسهولة أكثر بين الأطراف التي تقف تحت سلطة عليا واحدة. الإخضاع تحت مجموعة يمكن أن يكون له أثر غير متعادل، فمن ناحية، موضوعية الحكم بواسطة المجموعة ربما تساعد على نشوء وحدة داخل المجموعة أكثر من حكم الفرد الاستبدادي. ومن ناحية فإن الكراهية غالبا ما تتولد وسط المخضعين إذا لم يجدوا الاهتمام الشخصي من القائد.
    وجد زيميل أن الخضوع لمبدأ موضوعي أكثر قسوة ربما لأن العلاقات الانسانية والتفاعل الاجتماعي قد حذفا. يحس الناس أنهم ملزمون بقانون غير شخصي ليس لهم المقدرة على التأثير فيه. ويرى زيميل أن الخضوع لفرد أكثر حرية وتلقائية. "الخضوع لشخص له عنصر من الحرية والكرامة مقارنة بطاعة القوانين التي تتضمن شيئا ميكانيكياً وسلبياً"136. أسوأ من ذلك الخصوع لمواضيع، والذي وجده زيميل "نوع من الخضوع مزل، قاس واستسلامي"137. بما أن الفرد مهيمن عليه بشيء "ينحدر هو نفسه سايكولوجيا إلى مجرد شيء"138.
    مرة أخرى، تناول زيميل العديد من أنواع التفاعل خلال مؤلفاته، وهذا النقاش عن الهيمنة قصدنا منه توضيح نوع العمل الذي قام به زيميل في هذا المجال.
    البنيات الاجتماعية
    ذكر زيميل القليل نسبياً عن بنيات المجتمع الكبرى. في الحقيقية، أحيانا، نسبة لتركيزه على أنساق التفاعل فقد أنكر وجود ذلك المستوى من الواقع الاجتماعي. مثال جيد لذلك موجود في محاولته لتعريف المجتمع عندما رفض الموقف الواقعي الذي يمثله إميل دوركايم الذى يرى أن المجتمع كينونة مادية حقيقية، فقد لاحظ لويس كوسر "زيميل لم يعتبر المجتمع كشيء أو كائن عضوي"139 لم يكن زيميل مرتاحا للمفهوم الصورى أن المجتمع ليس أكثر من مجموع الأفراد المعزولين. واتخذ موقفا وسطا يرى المجتمع حزمة من التفاعلات "المجتمع هو مجرد اسم لعدد من الأفراد يربطهم التفاعل"140.
    بالرغم من أن زيميل عبر بوضوح عن موقفه التفاعلى، في الكثير من كتاباته عمل كواقعي كأنما المجتمع بنية مادية حقيقية. هناك إذن تناقص أساسي في أعمال زيميل على المستوى البنائي الاجتماعي، فقد لاحظ زيميل أن "المجتمع يتجاوز الفرد ويحيا حياته الخاصة التي تتبع قوانينه الخاصة أنه يواجه الفرد أيضا بحزم إلزامي تاريخي"141. أمسك كوسر بجوهر هذا الجانب في فكر زيميل "البنيات الكبرى فوق الفردية-الدولة، العشيرية، الأسرة المدينة أو النقابة- تحولت إلى بلورة لذلك التفاعل، حتى ولو حققت استقلالا وثباتا فهى تواجه الفرد كقوى مستلبة"142 .رودولف هيبرل أورد ملاحظة شبيهة "من الصعوبة تجاوز الانطباع أن زيميل يرى المجتمع كتفاعل من العوامل البنائية يبدو فيها البشر مواضيع سليبة وليسوا فاعلين أحياء لهم إرادة"143.
    الإجابة عن هذا التناقص تقع في الفرق بين علم اجتماع زيميل الشكلي، والذي التزم فيه برؤية تفاعلية عن المجتمع وعلمى اجتماعه التاريخي والفلسفي وفيهما كان أكثر ميلاً لأن يرى المجتمع كبناء اجتماعي مستقل وقاهر. في علمي اجتماعه التاريخي والفلسفي رأى زيميل المجتمع كجزء من العملية الواسعة من تطور الثقافة الموضوعية التي أزعجته. بالرغم من أن الثقافة الموضوعية تعتبر جزءاً من المجال الثقافي، فقد أدخل زيميل نمو البنيات الاجتماعية ا لكبرى كجزء من تلك العملية. هذا و كون أن زيميل ربط نمو البنيات الاجتماعية الكبرى بانتشار الثقافة الموضوعية واضح في المقولة التالية: "الموضعة المتزايدة لثقافتنا والتي تتكون ظواهرها من العناصر غير الشخصية المتزايدة وتمتص الكلية الذاتية للفرد بشكل متناقص .. تتضمن أيضا بنيات سوسيولوجية"144. إضافة إلى توضيح العلاقة بين المجتمع والثقافة الموضوعية يقود هذا أيضا إلى موضوعنا القادم في هذا الفصل، وهو أفكار زيميل عن المستوى الثقافي من الواقع الاجتماعي.
    الثقافة الموضوعية
    أحد مجالات تركيز علم اجتماع زيميل التاريخي والفلسفي هو المستوى الثقافي من الواقع الاجتماعي، أو ما أطلق عليه" الثقافة الموضوعية". حسب رؤية زيميل ينتج الناس الثقافة، لكن نسبة لمقدرتهم على تشيئ الواقع الاجتماعي، فإن العالم الثقافي والعالم الاجتماعي أصبح لهما حياتهما المستقلة، حياة صارت تهيمن وباستمرار على الفاعلين الذين خلقوها ويخلقونها يوميا. " المواضيع الثقافية تصبح مرتبطة أكثر وأكثر مع بعضها البعض في عالم محتو على ذات لها احتكاك يقل باستمرار بنفسية الفرد ورغباتها ومشاعرها"145. بالرغم من أن الناس يحتفظون بالمقدرة على خلق وإعادة خلق الثقافة، فإن مجرى التاريخ الطويل للثقافة يعمل من أاجل إبداء المزيد والمزيد من القوى القاهرة للفرد. "إن تفوق الثقافة الموضوعية على الثقافة الفردية الذي تطور في القرن التاسع عشر، هذا التباين يبدو في توسع مستمر. كل يوم ومن كل الجوانب تزداد ثروة الثقافة الموضوعية لكن عقل الفرد يستطيع أن يغني شكل ومحتوى تطوره الخاص فقط من خلال الابتعاد أكثر من تلك الثقافة وتطوير ثقافته الخاصة بخطوات أبطا"146.
    في العديد من المواقع حدد زيميل عدداً من مكونات الثقافة الموضوعية مثل: الأدوات، وسائل النقل، منتجات العلوم، التكنولوجيا، الفنون، اللغة، المجال الفكري، التقاليد، الأنساق الفلسفية، النظم القانونية، الأخلاق، المثل العليا- أرض الأجداد وهلمّ جرّا. كل هذه وغيرها تكون المستوى الثقافي الموضوعي في كتابات زيميل. الثقافة الموضوعية تنمو وتتوسع بطرق مختلفة. أولا، حجمها المطلق ينمو مع زيادة التحديث، هذا يمكن رؤيته بوضوح في مجال المعرفة العلمية التي تتوسع باستمرار بالرغم من أن ذلك ينطبق على معظم الجوانب الأخرى في المجال الثقافي. ثانيا، عدد المكونات المختلفة للمجال الثقافي ينمو أيضا. أخيرا وربما الأكثر أهمية، أن عناصر العالم الثقافي المختلفة معزولة في عالم قوي هو باستمرار خارج سيطرة الفاعلين. ولم يكن زيميل مهتما فقط بوصف نمو الثقافة الموضوعية لكنه كان منزعجا منها أيضا. "لقد تعجب زيميل- إن لم يكن قد اكتأب- بالعددية والنوعية المربكة للمنتجات الإنسانية التي تحيط بالفرد في العالم المعاصر وتصطدم به باستمرار"147.
    ما أزعج زيميل أكثر التهديد لثقافة الفرد من قبل نمو الثقافة الموضوعية. تعاطف زيميل الشخصى كان مع عالم تسوده الثقافة الفردية، لكنه رأى أن مثل هذا العالم غير ممكن. (سوف نعلق على هذا بالتفصيل عند مناقشتنا( لفلسفة النقد). تحليل زيميل المحدد عن نمو الثقافة الموضوعية على حساب الثقافة الفردية هو ببساطة مثال واحد لمبدأ عام هيمن على كل حياته" القيمة الكلية للشىء تتزايد بنفس مقدار تناقص قيمة أجزائه الفردية"148.
    يمكننا ربط حجة زيميل العامة عن الثقافة الموضوعية بتحليله الأساسي عن أشكال التفاعل. في واحدة من أشهر مقالاته "المدن الكبرى والحياة العقلية" حيث حلل زيميل أشكال التفاعل التي تحدث في المدن الحديثة معتبراً المدن الحديثة "الساحة الأصلية" لنمو الثقافة الموضوعية وتدني الثقافة الفردية. إنها فورة سيطرة الاقتصاد النقدي والمالي التي كان لها الأثر الأكبر على طبيعة العلاقات الإنسانية. الاستخدام الواسع للنقد قاد للتركيز على القابلية المحاسبية والعقلنة في كل مجالات الحياة، و لذلك تدنت العلاقة الإنسانية الأصلية وصارت العلاقات الاجتماعية تتميز باللامبالاة والسلوك المتحفظ. في حين أن المدن الصغيرة تتميز بمشاعر وعاطفية أكثر، فالمدن الحديثة تتميز بذهنية سطحية تناسب القابلية الحسابية الضرورية للاقتصاد النقدي. والمدينة هي أيضا مركز تقسيم العمل وكما رأينا يلعب التخصص دوراً أساسياً في إانتاج الثقافة الموضوعية المتوسعة دائما، مع التدهور في الثقافة الفردية المصاحب. المدينة "أداة مساواة مخيفة" فيها يختزل الجميع إلى التركيز على القابلية الحسابية غير المحسوسة. ويصبح من الصعوبة استمرار المحافظة على الفردية في مقابل توسع الثقافة العضوية.
    واحدة من تجاهلات تأثير زيميل على تطور علم الاجتماع أن كتاباته ذات المنظور التحليلي الأصغر تستعمل، ولكن انعكاساتها العريضة عادة ما يتم تجاهلها. خذ مثلا كتابات زيميل عن تبادل العلاقات، فقد اعتبر أن التبادل "أنقى وأكثر أنواع التفاعل تطورا"149. و بالرغم من أن كل أنواع التفاعل تتضمن تضحية فهي تحدث بوضوح أكثر في تبادل العلاقات. ويرى زيميل أن كل أنواع التبادل الاجتماعي تتضمن "ربحاً وخسارة". مثل هذا التوجه كان جوهرياً في علم اجتماع زيميل ذى المنظور الأصغر وتحديداً لتطور نظريته عن التبادل. لكن تبقى الحقيقة أن أفكاره عن التبادل عبر عنها في كتاباته العريضة عن النقد. ويرى زيميل أن النقد هو أنقى أشكال التبادل. فهو على النقيض من الاقتصاد التبادلي عندما تنتهي الدائرة بتبادل شيء بآخر، فإن الاقتصاد المبنى على النقد يسمح بسلاسل من التبادل لانهائية. هذه الامكانية جوهرية بالنسبة لزيميل لأنها تشكل الأساس للانتشار الواسع لتطور البنيات الاجتماعية والثقافة الموضوعية، نتيجة لذلك فإن النقد كشكل للتبادل يمثل لدى زيميل واحداً من الأسباب الأساسية لاستلاب البشر المعاصرين في بنيات اجتماعية متشئية.
    في تناوله للمدينة والتبادل يمكن رؤية أناقة أسلوب زيميل عندما ربط الأشكال السوسيولوجية الصغرى للتبادل مع تطور المجتمع الحديث في كلياته. في حين أن هذا الربط يمكن وجوده في مقالاته المحددة، فهو أكثر وضوحا في (فلسفة النقد).

    فلسفة النقد
    (فلسفة النقد) يوضح جيداً شمول وتعقيد تفكير زيميل، حيث إنه يؤكد بوضوح أن زيميل يستحق تقديراً على نظريته العامة مثل ذلك التقدير الذي لقيه عن مقالاته في علم الاجتماع ذى المنظور الأصغر والتي تمثل تعبيراً عن نظرته العامة.
    بالرغم من أن العنوان يوضح أن زيميل يركز على النقد، فإن اهتماماته بتلك الظاهرة متضمنة في حزمة من اهتماماته النظرية والفلسفية العريضة. مثلا فقد رأينا أن زيميل مهتم بالقيم كموضوع عريض، والنقد يمكن اعتباره شكلاً محدداً من القيمة. في مستوى آخر فإن زيميل لم يكن مهتما بالنقد في حد ذاته وإنما بأثره على قطاع عريض من الظواهر الاجتماعية كعالم داخلي للفاعلين والثقافة الموضوعية ككل. وفي مستوى آخر أيضا، اعتبر النقد ظاهرة محددة مرتبطة مع العديد من مكونات الحياة مثل "التبادل، الملكية، الجشع، الإسراف، الاستخفاف، الحرية الفردية، نمط الحياة، الثقافة، قيمة الشخصية وما إلى ذلك"150.
    أخيرا وبشكل عام، اعتبر زيميل أن النقد مكون محدد للحياة له المقدرة على مساعدتنا لفهم الحياة بأسرها.( فلسفة النقد) يشترك في الكثير مع مؤلفات ماركس، فهو مثل ماركس ركز على الرأسمالية والمشاكل التي خلقها الاقتصاد النقدي. و بالرغم من ذلك فإن الاختلافات بينهم كبيرة جداً. فقد رأى زيميل مثلا أن المشاكل الاقتصادية في زمنه انعكاس محدد لمشاكل ثقافية أكثر عمومية، استلاب الثقافة الذاتية بواسطة الثقافة العضوية. بالنسبة لماركس هذه المشاكل خاصة بالرأسمالية لكن زيميل يرى أنها جزء من مأساة عامة- تزيد من عجز الفرد على مواجهة نمو الثقافة العضوية، في حين أن تحليل ماركس محدد تاريخياً، نجد أن تحليل زيميل يسعى لاستخلاص الحقيقة السرمدية من التغير المستمر للتاريخ البشري، هذا الاختلاف في التحليل يرتبط باختلاف جوهري سياسي بين زيميل وماركس. بما أن ماركس يرى أن المشاكل الاقتصادية مرتبطة بوقت محدد، نتاج المجتمع الرأسمالي فقد كان يعتقد في إمكانية حلها في المستقبل، و يرى زيميل أن المشاكل الأساسية جزء أصيل من الحياة الانسانية ولم يرأى أمل فى الاصلاح في المستقبل. في الحقيقة يرى زيميل أن الاشتراكية بدلاً عن تحسين الوضع فإنها ستعمق نوع المشاكل التي ناقشها في (فلسفة النقد). وعلى الرغم من التشابه الملموس مع نظرية ماركس فإن، أفكار زيميل أقرب كثيرا لأفكار فيبر و "قفصه الحديدي" فيما يخص تصوره عن العالم الحديث والمستقبل.
    (فلسفة النقد) يبدأ بنقاش عن الأشكال العامة للنقد والقيمة. لاحقاً يتحول النقاش إلى أثر المال على "العالم الداخلي" للفاعلين وعلى الثقافة عامة. هذا ولأن الحجة معقدة جداً فإننا سنلقي الضوء هنا على مكوناتها البارزة.
    واحد من اهتمامات زيميل في ذلك العمل هو العلاقة بين النقد و القيمة. وبشكل عام ذكر أن الناس ينتجون القيمة بصنعهم للأشياء، فصلها بعيداً عنهم ثم محاولتهم تجاوز "المسافة، المعوقات، والصعوبات"151. كلما عظمت صعوبة الحصول على شيء كلما عظمت قيمته، لكن صعوبة الحصول لها "حد أدنى وآخر أعلا"152. المبدأ العام هو أن قيمة الأشياء تأتي من مقدرة الناس على إبعاد أنفسهم عن الأشياء بطريقة صحيحة. الأشياء القريبة جداً، وسهلة المنال ليست قيمة جداً. بعض المجهود ضروري لاعتبار شيء ما له قيمته. وعلى العكس، الأشياء البعيدة جداً، صعبة المنال أو مستحيلة ليست قيمة جداً أيضا. الأشياء التي تتحدى معظم أو كل جهدنا للحصول عليها لا تكون قيمة بالنسبة لنا أما الأشياء الأكثر قيمة فهى ليست بعيدة ولا هي قريبة. ضمن العوامل الداخلية في المسافة بين الشيء والفاعل الوقت الضروري للحصول عليه، ندرته، الصعوبة المتضمنة في الحصول عليه والحاجة للتخلص من أشيا ءأخرى من أجل اقتنائه. يحاول الناس وضع أنفسهم في مسافة صحيحة من الأشياء التي يجب الحصول عليها لكن ذلك ليس أمراً سهلاً.
    في هذا الإطار العام للقيمة ناقش زيميل المال. وفي المجال الاقتصادي يعمل المال على خلق المسافة من الأشياء ويوفر الوسائل لتجاوزها. القيمة النقدية المتعلقة بالأشياء في الاقتصاد الحديث تضعها على مسافة منا، لا يمكننا الحصول عليها بدون مالنا الخاص. الصعوبة في الحصول على المال و بناءً عليه الأشياء، تجعلها قيمة بالنسبة لنا. في نفس الوقت، عندما نحصل على المال الكافي يكون بإمكاننا تجاوز المسافة بيننا وبين الأشياء، ويؤدي المال إذن وظيفة مثيرة للاهتمام بخلقه للمسافة بين الناس والأشياء وتوفير الوسائل لتجاوز تلك المسافة.
    في عملية خلق القيمة، وفّر النقد الأساس لتطور السوق، الاقتصاد الحديث، وفي النهاية المجتمع الرأسمالي. وفّر النقد الوسائل التي عن طريقها اكتسبت هذه الكينونات حياتها الخاصة المستقلة عن الفاعل والقاهرة له. هذا يقف في تعارض مع المجتمعات السابقة والتى لم يؤد فيها التبادل والتجارة إلى تشيؤ العالم، ذلك الإنتاج المميز للاقتصاد النقدى. جعل النقد هذه التطورات ممكنة بطرق مختلفة فمثلا يرى زيميل أن النقد سمح "بحسابات طويلة المدى، منشئآت ضخمة وقروض طويلة الأجل"153. مؤخراً أضاف زيميل أن النقد "طور أكثر الممارسات موضوعية، أكثر المعايير منطقية وحسابية والحرية المطلقة من كل ما هو شخصى"154. اعتبر أن عملية التشيؤ هذه جزء من العملية العامة التي جسد فيها العقل نفسه ورمز لها في أشياء. في عملية التجسيد هذه البنيات الرمزية التي تشيئت أصبحت تمارس قوى مسيطرة على الفاعلين.
    لم يساعد النقد فقط في خلق عالم اجتماعي متشيئ وإنما ساهم في العقلنة المتزايدة لذلك العالم الاجتماعي. هذا أحد الاهتمامات التي يشترك فيها زيميل مع فيبر. كرس الاقتصاد النقدي التركيز على العوامل الكمية وليس الكيفية. يقول زيميل: "واحد من اتجاهات الحياة الأساسية- تخفيض النوعية مقابل الكمية- حقق أعلا وأكثر تمثلاته تفرداً في النقد، هنا أيضا يكون النقد ذروة سلسلة ثقافية تاريخية من التطورات التي تحدد بدون أي غموض توجهاته"155.
    من البديهى أن النقد ساهم فى العقلنة بزيادة أهمية النشاط الفكري في العالم الحديث. من ناحية فإن تطور الاقتصاد النقدي يفترض مسبقاً توسعاً مهماً في العمليات العقلية. مثال لذلك أشار زيميل إلى العمليات العقلية المعقدة الضرورية للتعامل النقدي مثل تغطية الأوراق المصرفية بالاحتياطات النقدية. من ناحية أخرى فإن الاقتصاد النقدي يساهم في التغير الكبير في معايير وقيم المجتمع. وهو يساعد في "إعادة التوجه الأساسي للثقافة نحو النشاط الفكري"156. جزئيا وبسبب الاقتصاد النقدي فإن القوى العقلية أصبحت تعتبر قيمة في طاقاتنا العقلية.
    يرى زيميل أن أهمية الفرد تتضاءل عندما أصبحت التعاملات النقدية جزءاً مهما من المجتمع وعندما تتوسع البنيات المتشيئة. هذا جزء من رؤيته العامة عن تدني الثقافة الفردية الذاتية في مقابل توسع الثقافة الموضوعية.
    أحيانا يبدو من الصعوبة رؤية كيف أمكن للنقد أخذ هذا الدور الأساسي في المجتمع. سطحيا يظهر النقد كوسيلة من أجل غايات متعددة، أو كما وصفه زيميل "أنقى أشكال الأدوات"، لكن النقد أصبح أحد النماذج المتطرفة لوسيلة أصبحت غاية في نفسها.
    المجتمع الذي يصبح فيه المال غاية في ذاته، الغ

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 24, 2017 3:20 pm